الجمعة 21 ذي القعدة 1429  

بحث

اسئلة واجوبة

محاضراته

مقالات وحوار

مؤلفاته

HOME

تفضيلات       الفهرس

  / 159   الصفحة اللاحقة 

ـ 1 ـ



من هو الصدّيق ؟
ومن هي الصدّيقة ؟






تأليف
السيد علي الشهرستاني





ـ 2 ـ







    الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .
    وبعد ، فإن هناك مفردات كثيرة في التاريخ والشريعة يجب الوقوف عندها والتأمّل في معانيها وإيحاءاتها ؛ لكونها أموراً ترتبط بالعقائد والأحكام والسيرة .
    والصدّيقية من تلك المفردات التي تحمل في طيّاتها معاني عالية وتشير إلى مقامات إلهية ، وحيث أنّي ـ وحسب معلوماتي ـ لم أقف على رسالة مستقلة في هذا المجال ، وكلّ ما هو موجود في كلمات الأعلام إنّما هو إشارات عابرة إلى معنى الصدّيقية ذكروها استطراداً في بحوثهم الكلامية ولم ينقحوها تنقيحاً يلائم عقيلة الباحث الموضوعي اليوم ، وإسهاماً منّا في إثراء المكتبة الإسلامية قدمنا هذا الجهد المتواضع ليكون نواة لعمل مستقبلي لنا ولإخواننا الباحثين والمحققين .
    فإنّ حياة السيدة فاطمة الزهراء تحمل بين جوانبها تراثاً تاريخياً وعقائدياً وفقهياً ضخماً ، بل إنّ في كل مفردة من مفردات حياتها ( سلام الله عليها ) دروساً وعبراً ومواعظ ومعطيات يجب التأسّي بها . حتى في أسمائها وألقابها ، فهي تشير إلى مقامات ومفاهيم عالية .


ـ 3 ـ

    فالصدّيقية مثلاً ترتبط بعصمتها ، وهي إشارة إلى أوّل حياتها الطاهرة حيث صدّقت بأبيها وبكل ما أتى به ، وصدّقت بارئها أكمل التصديق حتى أوقف سبحانه رضاه على رضاها وغضبه على غضبها .
    ومثل ذلك لقب المحدّثة فهو إشارة إلى ما بعد حياة رسول الله حيث كان جبرائيل يكلمها ويسليها ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها .
    وبعد لقب الصدّيقة ولقب المحدثة لقب الشهيدة فهو إشارة إلى مظلوميتها وختامِ حياتها المباركة مكللّة بالشهادة .
    إذاً أسماء وألقاب السيدة فاطمة(1) الزهراء لم تكن أسماءً وألقاباً عابرة ، بل تحمل في جوانبها معاني قدسية ، حاول البعض أن يسرقها ويمنحها جُزافاً لآخرين .
    وبما أن التسمية بفاطمة عللت في بعض روايات أهل البيت ،
    بكونها تفطم شيعتها من النار ، ومثل ذلك جاء في الإمام علي أنه يفرق بين الحقّ والباطل ، نرى القوم يطلقون لقب الصدّيقة على أُخريات ، كما يطلقون لقب الفاروق على آخرين اعتقاداً منهم بأنه يفصل بين الحق والباطل.
    فما وجه الشبه والارتباط بين ما روي عن النبي أنّه قال في عمر : قد كان فيما مضى قبلكم من الأُمم محدثون وأنه لو كان في أُمتي هذه منهم فإنّه عمر بن الخطاب(2) ، أو ما نسب إلى الإمام علي من قوله : كنّا نتحدث أن ملكاً ينطق على لسان عمر(3) وبين ما سميت به


ـ 4 ـ

السيدة فاطمة الزهراء والمحدثين من آل بيت رسول الله .
    ولا أدري هل فكر أحد معي في مداليل ومعاني كلمة الزهراء وارتباطها بالنور الإلهي ، وهل أنّ هذا هو لقب ومنزلة لها فحسب ؟ أم أنّه يمكن تعميمه على الأُخريات من بنات رسول الله حتى يمكن لعثمان بن عفان أن يلقب بذي النورين لتزوّجه بنتين من بنات رسول الله أو ربائبه ؟
    ولعل النابه يقف على محاولات الخلفاء وأنصارهم لإطلاق هذه الأسماء والألقاب على من يريدونه ، ففي الوقت الذي يطلقون كلمة «الشهيد المظلوم» على عثمان بن عفان ، يهابون من إطلاق كلمة «الشهيدة المظلومة» على فاطمة الزهراء .
    إن ألقاب الصدّيقة والمحدثة والشهيدة مفردات تحمل بين جوانبها معاني : العصمة ، والعلم ، والمظلومية ، وتشير إلى ثلاث مراحل من حياتها سلام الله عليها ، وما جرى لها وعليها .
    وهذه الرسالة الموجزة ما هي إلا توضيح لمفردةٍ واحدة من تلك المفردات الكثيرة في الشريعة فإنّ هذه الاسماء الألقاب وأمثالها جديرة بالوقوف عندها والتأمّل في مضامينها، وهذا ما نرجوه من الأخوة أن يجعلوه نصب أعينهم في دراساتهم وبحوثهم عن هذه السيدة العظيمة سلام الله عليها .
    وختاماً أسأل الله سبحانه أن يتقبل هذا القليل ، وأن يجعله في حسناتي مكفراً به عن سيّئاتي ، وأن يسعدني بشفاعة مولاتي « فاطمة الزهراء » ، مصلياً عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها بهذه الصلوات :
    اللهم صلِّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها بعدد ما أحاط به علمك .


ـ 5 ـ

والحمد لله أوّلاً وأخراً ، وله الشكر باطناً وظاهراً ، وصلواته على نبيه محمد وعلى آله
    الطيبين الطاهرين المعصومين .

علي الشهرستاني
في السابع عشر من جمادي الأولى لسنة 1426
أيام شهادة الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء ((عليها السلام))






ـ 6 ـ





    من سمات البحث الموضوعي أن يتعامل المرء مع المفردات والمصطلحات بذهنيّة واقعية ، قد تجبره على تحقيق ذلك من خلال شواهد السيرة والتاريخ وأمثالها، لا سيّما إذا واجه مفرداتٍ متعارضة أو متضاربة أو متضادّة لا يمكن الجمع بينها جمعاً تبرعياً ، كما لا يمكن توجيهها توجيهاً شرعياً أو عقليّاً متماسكا .
    والمطالع في التاريخ الإسلامي والفقه والحديث يقف على مفردات متضاربة ، وفي بعض الأحيان متناقضة أو متضادة ، لا يدري كيف يتعامل معها أو يجمع بينها؛ لأنّها تراكمات وصلتنا من عصور سابقة ، وقد استحكمت هذه الاشكالية عند البعض ، لأنّهم أرادوا أن يقدسوا اناساً لم يقدسهم الله ورسوله ، فجدّوا أن يجمعوا بين النهجين ( الصحابة وآل البيت ) ، فمن جهة تراهم يظهرون محبة آل الرسول ، ومن جهة أخرى لا يرتضون بيان ما جرى عليهم ، فيطالبون أتباع النهج الآخر بالاغماض عما فعله الآخرون ، بدعوى أنهم رجال ذهبوا ، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم ، وما لنا والدخول فيما كانوا فيه ؟
    وهذا التبرير قد يبدو وجيهاً في أول وهلة ، ولكنك بتأمّل بسيط تقف على سقمه ؛ وذلك


ـ 7 ـ

لأن هؤلاء الرجال لم يكونوا أناساً عاديين في التاريخ حتى يقال : لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، ويُرجَأُ الأمر إلى الله كي يحكم في أمرهم .
    بل كان لهؤلاء دور في الشريعة والتاريخ ، وإن كثيراً من المواقف التي يتخذها بعض المسلمين اليوم قد أُخذت عن أولئك ، فلابُدّ من الوقوف على سيرتهم وسلوكهم لأنّ ذلك يرتبط بحياتنا الاجتماعية وسيرتنا العلمية والعملية اليوم ، لأن الأشياء تعرف بأضدادها ، فلا يمكننا أن نعرف علياً وفاطمة إلاّ بعد أن نعرف معاوية وأبا بكر ، هذا من جهة .
    ومن جهة أخرى يجب أن نعرف بأن الحكم المنـزل من الله جلّت أسماؤه ، على لسان رسوله ، هو واحد ، والحقّ واحد ، وسواه باطل ، فإن كان عليٌ مع الحقّ فمعاوية على الباطل ، وإن كانت فاطمة الزهراء صادقة في مدّعاها فأبو بكر ليس كذلك ، ولا ثالث لهما ؛ إذ قد قال سبحانه وتعالى: فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال فأنّى تصرفون (1).
    وقال : «ستفترق أُمتي إلى نيف وسبعين فرقة ، فرقة ناجية والباقي في النار»(2) وهذان النّصان يؤكدان وبكل وضوح وحدة الحقّ وتشعب الباطل والضّلال ، بل الإسلام كلّه مبتن على وحدة الفكر والمضمون.
    وقد قال الإمام علي : وأن الباطل لو « خَلَصَ من مِزاج الحقّ لم يَخفَ على المُرتادينَ ، ولكن يؤخذ من هذا ضِغثٌ ، ومِن هذا ضِغث فيُمزجان ، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى»(3).


ـ 8 ـ

    وقال () للحارث بن حوط الليثي : يا حارث إنك ملبوس عليك ، إن الحق لا يعرف بالرجال ، اعرف الحق تعرف أهله(1) .
    فإضفاء هالة من الأُبهّة على السلف هو الذي أوقع البعض في هذه المفارقات، لأن الصحابة هم أُناس كسائر البشر يخضعون للمقاييس الإلهية ، فمن آمن بالله ورسوله وكتبه وأحكامه وسار على هداها فإنّما اهتدى لنفسه، ومن ضل عن ذلك فإنّما يضل عليها .
    فمجرد الصحبة للنبي ليست بعاصمة للصحابي عن مناقشة آرائه ومواقفه ، لأنّ مكانة النبي كالشمس المشعة ، ومن صاحبه كالمرايا ، فما صفا منها عكس ضوء النبوة بمقدار صفائه ، وما كدر منها لم يزده ضوء الشمس إلاّ صدأً وتهرؤاً ، فالنقص إذن في المصاحِب لا المصاحَب.
    والإمام علي بن الحسين زين العابدين قد مدح صحابة رسول الله الذين ثبتوا على منهاجه ولم يبدّلوا ولم يُغيّروا ، وذلك في دعائه في الصلاة على اتباع الرسل ومصدّقيهم ، فقال :
اللهم وأصحاب محمد خاصّة الذين أحسنوا الصحبة ، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره ، وكانفوه ، وأسرعوا إلى وفادته ، وسابقوا إلى دعوته ، واستجابوا له حيث اسمعهم حجة رسالاته ، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته ، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته ، وانتصروا به ، ومن كانوا منطوين على محبته ، يرجون تجارة لن تبور في مودته ، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته ، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته ، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك وأرضِهم من رضوانك .


ـ 9 ـ

اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون:
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك ، الذين قصدوا سمتهم ... إلى آخر الدعاء(1) .
    كان هذا هو منهج أهل البيت في التعامل مع الصحابة ، وهو منهج صحيح يزن الأمور بميزانها ، لكنا نرى المنهج الآخر يخلط الأوراق ، فيجعل الطليق كالمهاجر والمُحَاصِر كالمُحَاصَر والمحقّ كالمبطل(2) فيقول وبكل جرأة: سيدنا معاوية حارب سيدنا علياً ، أو أن سيدتنا عائشة خرجت على سيدنا علي ، أو أن سيدنا يزيد قتل سيدنا الحسين ، إلى ما شابه ذلك من المفردات المتناقضة .
    ومن تلك المفارقات التي يجب علينا الوقوف عندها ما يلهج به المنهج الآخر دوماً في النـزاع بين أبي بكر وفاطمة الزهراء : إن سيدنا الصدّيق اختلف مع الصدّيقة في فدك وميراثها من رسول الله ؟
    بهذه التعابير والمفردات لبّسوا الأمر على بعض المسلمين ، فلا يُدرَى من هو الصادق في هذه الدعوى ومن هو الكاذب ، وذلك بتشويه معنى الصدّيق والصدّيقة منهما .
    وعلى أي حال ، فلو كان أحدهما صادقاً فالآخر كاذب بلا كلام ، وكذا الحال بالنسبة إلى الصدّيقية ، - والتي تعني كمال الصدق في الحديث والتصديق لرب العالمين ولرسوله الكريم - فلا يمكن تصورها في الاثنين معاً ، لأنّا نرى كل طرف يكذّب الآخر إمّا تصريحاً وإمّا تلويحاً ؛ فالسيدة فاطمة الزهراء قد كذّبت أبا بكر صراحة بقولها : لقد جئت شيئاً فريا ، وفي الجهة


ـ 10 ـ

المقابلة لم يجرؤ أبو بكر على تكذيب الزهراء (عليها السلام) صراحة ، لكنه عمد إلى أُمور من لوازمها التكذيب .
    والآن لنَسِرْ معاً ، برفقة هذه السطور لنقف على معنى الصدّيق لغة واستعمالاً .

    الصدّيق في اللغة والاستعمال!!
    الصدّيق مشتق من مادة ( ص ، د ، ق ) والصدق نقيض الكذب ، والصدّيق فعيّل ، والصدّيقة فعيّلة ، وتأتي للدلالة على كثرة اتصاف الموصوف بالصفة ، والمبالغة في الصدق والتصديق ، وهي أبلغ من الصدوق ، وقيل : إنه يطلق على الكامل في الصدق الذي يصدّق قوله عمله ، وقيل : إنه لمن لم يكذب قط .
    وقد اشتهر عند أهل السنة والجماعة أنه لقب لأبي بكر بن أبي قحافة وإن كانت عندهم روايات تقول إنه لقب لعلي بن أبي طالب ، وهي توافق روايات الشيعة الإمامية الناصّة على أن « الصدّيق » لقب للإمام علي وأن القوم سرقوه وأعطوه لأبي بكر .
    أما لقب الصدّيقة فقد أطلق في القرآن الكريم على مريم بنت عمران ، وجاء على لسان رسول الله أنّه لقب لفاطمة الزهراء وخديجة الكبرى ، وهناك محاولات لإضفاء هذا اللقب على عائشة ، لكنا سنثبت سقم تلك الدعوى لاحقاً.
    ونحن لو أردنا الوصول إلى الحقيقة ليس لنا إلا تنقيح معنى الصدّيقية لنعرف هل أنها مرتبة معنوية ربانية ، أم أنّها ألقاب ممنوحة تقابل الألقاب الممنوحة اليوم لهذا أو ذاك ؟
    وهل هناك فرق بين ما يمنحه رسول الله وما يمنحه الآخرون ، بل هل يعقل أن تكون الألقاب المعطاة من قبل الله ورسوله قد أعطيت جزافاً وبمجرد واقعة ، أم أن وسم النبيّ لشخص بسمة ما يدلّ على امتلاكه لها واقعاً ؟
    وهل إن الألقاب تعطى طبقاً للمؤهلات والماهيات ، أم تشجيعاً وترغيباً للأشخاص ؟


  / 159   الصفحة اللاحقة