الثلاثاء 8 محرم 1430  

بحث

اسئلة واجوبة

محاضراته

مقالات وحوار

مؤلفاته

HOME

تفضيلات       الفهرس

 الصفحة السابقة / 159   الصفحة اللاحقة 

ـ 11 ـ

ولِمَ لم يُمنح أبا ذر لقب الصدّيق مع كونه أصدق ذي لهجة حسب تعبير الرسول الأمين ؟
    بل ماذا تعني الصدّيقية وهل إنّ للصدّيق مراتب وأقسام :
    قال ابن البطريق ( ت 600 ه ) في العمدة:
الصدّيق ينقسم إلى ثلاثة أقسام..
1 - صدّيق يكون نبياً.
2- صدّيق يكون إماماً.
3- صدّيق يكون عبداً صالحاً ، لا نبي ولا إمام.
فاما ما يدل على أول الأقسام فقوله سبحانه وتعالى:
واذكر في الكتاب إدريس انه كان صديقاً نبياً وكل نبي صديق ، وليس كل صديق نبياً ، وقوله تعالى: يوسف أيها الصديق .
وأما ما يدل على كون الصدّيق إماماً ، فقوله تعالى :
فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .
فذكر النبيين ثم ثنى بذكر الصدّيقين ، لأنه ليس بعد النبيين في الذكر أخص من الأئمة.
ويدل عليه أيضاً الأخبار الواردة بأنّ الصدّيقين ثلاثة: حبيب وحزقيل وعلي وهو أفضلهم ، فلما ذكر عليّاً () مع هذين


ـ 12 ـ

المذكورين دخل معهما في لفظة الصدّيقين وهما ليسا بنبيين ولا إمامين ، فأراد إفراده عنهما بما لا يكون لهما وهي الإمامة ، فقال: وهو أفضلهم.
فليس في لفظة الصدّيق بينهم تفاضل ، لأنه قال: الصدّيقون ثلاثة ، فقد استووا في اللفظ ، فأراد الإخبار عن اختلافهم في المعنى وهو استحقاق الإمامة فقال: وهو أفضلهم ، تنبيها على كونه صديقاً إماماً(1) .
    وبما أن البحث في أطراف هذه المسألة يستوجب بيان عدة مسائل ويستدعي التّدرج في طرحها كان لا بدّ من الوقوف على الصادق والكاذب ثمّ الوقوف على الصدّيقيّة وأنّها في أيّ الطرفين تكون.
    وقبل كل شيء يجب أن نذكّر بأن النبي محمد بن عبدالله كان يُلّقب في الجاهلية بالصادق الأمين ، وأنّ السيدة خديجة الكبرى وابنتها فاطمة الزهراء لقبت كل واحدة منهما من قبل رسول الله بالصدّيقة ، وقد أنجب الصدّيق علي بن أبي طالب من الصدّيقة فاطمة الزهراء أولاداً مطهرين صادقين هم أئمة المسلمين الذين طهّرهم رب العالمين في آية التطهير ، وأمر باتباعهم في قوله : وكونوا مع الصاديقين (2) ، وقد حدثت وما زالت تحدث


ـ 13 ـ

محاولات فاشلة لتحريف هذا اللقب عنهم ، ولكن أنّى للمحرفين ذلك ؟! حيث إنهم صلوات الله عليهم كانوا في أصلاب شامخة وأرحام مطهرة لم تنجسهم الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسهم من مدلهمات ثيابها(1) ، إذ عُرف جدهم بالصادق الأمين في الجاهلية ، لصدقه ووفائه بالمواثيق والعهود، وكانت العرب تحترمه وتجله وتتحاكم إليه لأنه لا يداري ولا يماري(2) ، وقد اشترك في حلف الفضول وعمره لا يتجاوز العشرين عاماً مناصرة للمظلوم أمام الظالم(3) ووفاءً للعهود والمواثيق .
    وقد حُكّم بين القبائل في وضع الحجر الأسود ، و ذلك بعد أن أتمت القبائل تجديد البيت الحرام ، فتنازعوا بينهم في الذي يضع الحجر مكانه ، فاقترح أبو أُمية بن المغيرة – والد أم سلمة – أن يُحكّموا أول داخل عليهم من باب السلام ، فإذا بمحمد بن عبدالله دخل ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا .


ـ 14 ـ

    فأُخبر الخبر ، فبسط إزاره – وفي نص طلب ثوباً – ثم أخذ الحجر فوضعه فيه بيده ، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم رفعوه جميعاً ، فلما حاذى الموضع ، أخذه رسول ‌الله بيده الشريفة فوضعه في مكانه(1).
    وجاء عنه فيما روته بعض كتب العامة أنه قال عند الصفا – في بداية دعوته المباركة - :
يا بني فهر ، يا بني عدي ، يا بني عبد المطلب ، وذكر الأقرب فالأقرب حتى اجتمعوا ، ومن لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولاً لينظر له ما يريد، فقال : « أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً في سفح هذا الجبل قد طلعت عليكم أكنتم مصدقي » ؟
فقالوا بلسان واحد: نعم ، أنت عندنا غير متّهم ، وما جربنا عليك كذباً قط.
قال : إني نذير لكم من عذاب شديد ، يا بني عبدالمطلب ، ويا بني عبد مناف ، ويا بني زهرة ، ويا بني تيم ، ويا بني مخزوم و أسد ، ومضى يعدد جميع قبائل مكة وفروعها ، ثم قال: إن الله أمرني أن أنذركم من عقابه ، و إني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا في الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا: لا اله إلاّ الله.
فنهض أبو لهب – وكان رجلاً بديناً سريع الغضب – وصاح به:
تَبّاً لك ، سائر اليوم ، ألهذا جمعت الناس؟ وتفرقوا عنه يتشاورون


ـ 15 ـ

في أمره(1) .
    بلى ، إن القبائل العربية عارضته وكذبته لا لنفسه ، بل لما جاءهم به من أفكار وآراء عن الكون و الحياة ، والتي لم يكن لهم بها عهد من قبل ، فصار شأنه شأن باقي المرسلين المكَذّبين من قِبَلِ أقوامهم ، فكان مثل قومه كمثل قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، ولوط وأصحاب الرس إذ قال تعالى : وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط(2) .
    إذاً قومه لم يرموه بالكذب الذاتي والخيانة والظلم ، بل رموه بالسحر والكذب المستجدّ بزعمهم ؛ لعدم دركهم كنه الإعجاز ، ونعتوه بمجنون لما كانوا يرون عليه من ثقل الوحي ، وفي هذا غاية الوضوح في أنّ العرب كانت تعرف صدقه ، وأمانته ووفاءه وحكمته قبل الإسلام .
    فالصادق والصدّيق إذاً قبل كل شي هو لقب لرسول الله والأنبياء والمرسلين من قبله كإبراهيم ، وإدريس ، وإسماعيل ، وموسى، وعيسى ؛ لقوله تعالى عن رسول الله : والذي جاء بالصدق وصدّق به (3) ، وقوله سبحانه عن إبراهيم : واذكر في الكتاب إبراهيم انه كان صدّيقاً نبيا(4)، وقوله عنه أيضاً : ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكُلاَّ جعلنا نبيا * ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليّا (5) ، وقوله عن إدريس :


ـ 16 ـ

     اذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدّيقاً نبيا(1) ، وقوله عن إسماعيل : واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيا (2) وقوله عن موسى : واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيا(3) .
    إذاً الصدّيقية هي إحدى الصفات و مميّزات الاصطفاء ، فهي تكون أولاً للأنبياء والمرسلين ، ثم للأوصياء والصالحين ، لما مرَّ عليك في الآيات السابقة ، ولقوله تعالى : والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصِدّيقون (4) ، وهذا التخصيص بعد البيان يشير إلى أن الكاذبين الذين آمنوا من بعد لا يمكن أن يكونوا صدّيقين ، بل المعنيُّ بهذه الآية هم آل البيت لكونهم صادقين وصدّيقين حسبما يأتي تفصيله .
    روى ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب عن ابن عباس في قوله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .
     من النبيين يعني محمداً والصدّيقين يعني علياً ، وكان أوّل من صدّقه ، والشهداء يعني علياً وجعفراً ، وحمزة والحسن والحسين (عليهم السلام) .
    ثمّ قال :
    النبيّون كلهم صدّيقون ، وليس كل صدّيق نبياً ، والصدّيقون كلهم صالحون ، وليس كل صالح صدّيقاً ، ولا كل صدّيق شهيد .


ـ 17 ـ

    وقد كان أمير المؤمنين صدّيقاً ، شهيداً ، صالحاً ، فاستحق ما في ، الاثنين من وصف سوى النبوة .
    وكان أبو ذر يحدث شيئاً فكذبوه ، فقال النبي : ما أظلت الخضراء [ على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ] ، فدخل وقتئذ علي فقال : ألا أن هذا الرجل المقبل فإنّه الصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم(1) .
    وبما أنّ الرسول المصطفى هو الصادق الأمين ، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فكل ما يقوله عن الآخرين هو الحق ، فيكون تلقيبه للآخرين بالألقاب غير متأتٍّ عن أحاسيس وعواطف بل لما يحمله الآخرون من صفات .
    وممّا لا يمكن إنكاره هو إن الإسلام انتشر وفق عاملين أساسين :
    أحدهما : أموال خديجة .
    وثانيهما : سيف أمير المؤمنين علي .
    وبما أنّ هاتين الشخصيتين كانتا أول من آمن بمحمد بن عبدالله وصدّقه في رسالته وبذل الغالي والنفيس في نشر دعوته ، نرى الرسول الأمين قد لقب أولهما بالصدّيقة ، والثاني بالصدّيق ، لكثرة تصديقهما لرسول الله في كل قولٍ و فعل ، أي أن مصداقية الصدّيقية تؤخذ من فم الرسول بناءً على كمالاتهم الذاتية وسيرتهم ، ولا يمكن إطلاق الألفاظ جزافاً بعيداً عن الذات والسيرة وهذا أقل ما يقال .
    فقد جاء في تاريخ دمشق : عن الضحاك ومجاهد ، عن ابن عمر قال:
    نزل جبرئيل على رسول الله بما أرسل به ، وجلس يحدث رسول الله إذ مرت خديجة


ـ 18 ـ

بنت خويلد ، فقال جبرئيل: من هذه يا محمد ؟
    قال : « هذه صديّقة أُمتي » .
    قال جبرئيل : معي إليها رسالة من الرب : تبارك وتعالى يقرئها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب قالت : الله السلام ومنه السلام و السلام عليكما و رحمة الله و بركاته على رسول الله ، ما ذلك البيت الذي من قصب ؟ قال: لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران و بيت آسية بنت مزاحم وهما من أزواجي يوم القيامة(1).
    وهذا السلام من الربّ الجليل يُعلم أفضلية خديجة على من سواها من نساء النبيّ وهو مشعر بمرتبتها العالية ، لأنّ إبلاغ السلام لا يأتي إلاّ للمعصوم أو من بلغ مرتبة العصمة كسلمان وأبي ذر وعمار ، نعم انهم حكوا هذا السلام لآخرين لكن التحقيق والبحث في سيرتهم يثبت عدم صحة تلك النقول .
    قال العسقلاني في فتح الباري وعند شرحه لهذا المقطع : « فقالت : هو السلام، وعن جبرائيل السلام، وعليك يا رسول الله السلام » :
    قال العلماء في هذه القصة دليل على وفور فقهها ، لأنّها لم تقل « وعليـه السلام » كما وقع لبعض الصحابة ... فعرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لا يردّ كما يرد


ـ 19 ـ

على المخلوقين(1) .
    وروى الحاكم النيسابوري بإسناده عن أنس: أنّ النبي قال:«حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران ، وآسيه امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد »(2) .
    وفي سنن الترمذي عن عبدالله بن جعفر قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : سمعت رسول الله يقول : خير نسائها خديجة بنت خويلد ، وخير نسائها مريم بنت عمران(3).
    وخديجه بنت خويلد (عليها السلام) كانت وزيرة صدق للنبي ،(4) وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة.(5)
    وجاء في فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل(6) وتاريخ دمشق(7) و غيرهما(8) بالإسناد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أبيه ، قال: قال رسول الله: « الصدّيقون ثلاثة: حبيب بن موسى النجار – مؤمن آل ياسين- الذي قال : يا قوم اتبعوا المرسلين ، و حزقيل - مؤمن آل فرعون- الذي قال : أتقتلون رجلا ، وعلي بن أبي طالب الثالث و هو أفضلهم » .
    وفي سنن ابن ماجة بسنده عن عبّاد بن عبدالله ، قال: قال علي : أنا عبدالله وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلا كذّاب، صليت قبل الناس بسبع


ـ 20 ـ

سنين. في الزوائد. هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات ، رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال وقال: صحيح على شرط الشيخين(1).
    وعن معاذة العدوية ، قالت : سمعت علياً رضي الله عنه يخطب على المنبر و هو يقول: أنا الصدّيق الأكبر ، آمنتُ قبلَ أن يُؤمن أبو بكر ، و أسلمتُ قبل أن يُسلم(2) .
    وفي الإصابة لابن حجر و أسد الغابة لابن الأثير عن أبي ليلى الغفاري ، قال: سمعت رسول الله يقول : « سيكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالتزموا علي بن أبي طالب ، فإنه أول من آمن بي ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأُمة ، وهو يعسوب المؤمنين »(3) .
    وفي تاريخ دمشق بإسناده عن ابن عباس أنه قال : « ستكون فتنة فمن أدركها منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله وعلي بن أبي طالب ، فإني سمعت رسول الله يقول وهو آخذ بيد علي: هذا أول من آمن بي ، وأول من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأُمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو بابي


 الصفحة السابقة / 159   الصفحة اللاحقة