![]() |
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
| الثلاثاء 8 محرم 1430 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||||
|
ـ 1 ـ المنهج الاستدراكي النقدي في اللغة ودور السيّد عليّ خان في تطويره وتنميقه تاليف السـيّد عليّ الشهرستانيّ |
|
ـ 2 ـ بسم الله الرحمن الرحيم هذه ور يقات كتبتها بعنوان المقدمة لكتاب . « الطراز الأوّل والكناز لما عليه من لغة العرب المعول » للسيّد عليّ خان المدنيّ الشيرازيّ المتوفي 1120هـ ، وقد رجوت فيها أن اقدم للكتاب اكثر من الكاتب ; لاعتقادي بأن التقديم يلزم أن يكون للكتاب لا للكاتب ; لشيوع تراجم الاعلام في كتب السير والتراجم ، فلا داعي لتكرارما كتبه الاخرون . وقد حبذت في أول الأمر تدو ين دراسة معجمية عن اللغة فقهاً وتار يخاً واشتقاقاً وبيان مناهج اللغو يين ، مسلطاً الضوء على المنهج الاستدراكي النقدي للمؤلّف . لكن كتاباتي في مجال ملابسات التشريع حالت بيني وبين امنيتي ، فلم اوفق لما كنت اصبو إليه و إن قدمت بعض الشيء في هذا المضمار مكتفياً ببابي الهمزة والصاد من الكتاب ، على أمل أن التقي بالقراء الكرام في دراسة اوسع عن السيّد
|
|
ـ 3 ـ علي خان النحوي ، والصرفي ، والمتكلم ، والفقيه إن شاء الله تعالى .ولما لاقت دراستي تلك استقبال الباحثين والمعنيين بشؤون اللغة والأدب اقترحوا عليّ بطبعه على انفصال لتعميم النفع والفائدة ، ولتعريف الاخرين بخصائص وسمات هذا الكتاب القيم ، فاستجبت لطلبهم شاكراً اقتراحهم الأخوي . راجياً أن أكون قد وفقت للكشف عن جوانب من منهجية المؤلف واسلوبه في الكتاب ، سائلاً سبحانه أن يتقبل هذا القليل وأن يتغمد المرحوم العلامة الأديب المدني الشيرازي برحمته و يسكنه فسيح جنته ، آمين رب العالمين . المؤلّف E-mail: info@shahrestani.org http://www.shahrestani.org |
|
ـ 4 ـ بسم الله الرحمن الرحيم اللغة : جسر يربط الإنسان ببني نوعه ، وهي الاداة المثلى المعبرة عن أحاسيس الفرد وأفكاره وطموحاته . وهي الوسيلة للإفصاح والإبانة عن المكنون ، بل هي الصورة الحاكية عن شخصية الإنسان وثقافته ومعلوماته . قال ابن فارس عن الإعراب وأهمّيّته : الإعراب فيه تمييز المعاني ، و يوقِف على أغراض المتكلِّمين ، وذلك أنّ قائلاً لو قال ( ما أحسن ز يد ) غير معرب ، أو ( ضرب عمر ز يد ) غير معرب ، لم يُوقَفْ على مراده ، فإذا قال ( ما أَحْسَنَ ز يداً ) أو ( ما أَحْسَنُ ز يد ) أو ( ما أَحْسَنَ ز يدٌ ) أبان بالإعراب عن المعنى الّذي أراده . وكذا الحال بالنسبة إلى الحركات ، فهم يفرّقون المعاني بينها ، فلو قال ( مِفْتَح ) أرادوا الآلة الّتي يفتح بها ، و ( مَفْتَح ) لموضع الفتح ، و ( مِقَصّ ) لآلة القصِّ ، و ( مَقَصّ ) للموضع الذي يكون فيه القص ... وكأنَّ هذا وغيره هو الذي جعل البعض يقول عن أصل كلمة العرب والعربي : إ نّه اشتُقّ من الإعراب ، وهو الإبانة ، فيقال : أَعْرب الرجلُ عن ضميره ، إذا أبان عنه . والكلمة العربية تشتمل على مادة وهيئة ، فالمادة كـ ( ض ر ب ) الدالّة على |
|
ـ 5 ـ الضرب ، وأ مّا الهيئة ـ التي تُسَمّى بالبناء أو الوزن أو الصيغة ـ فيلحظ فيها الحروف الأصلية والزائدة ( كسامع ، ضارب ، شارب ، مشروب ، مضروب ، مقتول ، ... ) .وبالاشتقاق تتحدّد الكلمة من حيث المادة والمعنى ، وما مهمّة بحث الأبنية أو الصرف إلاّ تحديد الشكل أو البناء الذي يكسب معنىً زائداً يضاف إلى المعنى العام فيخصصه و يحدده . إنَّ اللغة العربية تمتاز عن غيرها بكثرة المفردات ، والاتساع في الاستعارة والتمثيل ، وقلب الحروف ، والتمييز بين الفاعل والمفعول ، وبين التعجب والاستفهام ، والنعت والتأكيد ، وتعو يض كلمة مكان كلمة ـ كإقامة المصدر مقام فعل الأمر ، والفاعل مقام المصدر ـ أو التقديم والتأخير كما هو الحال في تقديم الخبر على المبتدأ ، والمفعول على الفاعل . وهو ما يوضح أن اللغة العربية واسعة جدّاً وتتألف من أصل ومز يد ، وهذه الز يادة على الحروف ، إمّا أن تقع في أوّل الكلمة ، أو وسطها ، أو آخرها ، وقد تكون هذه الز يادة من الحروف الصوتيّة أو الهوائية ( مد ) و... وقد استقصى علماء اللغة ، الحروف الزائدة في الكلام العربي فوجدوها لا تخرج عن عشرة حروف جمعوها في قولهم ( سألتمونيها ) ، و إذا أضفنا الحركات الثلاث وعددناها حروف مدٍّ قصيرة ، كان مجموعها ثلاثة عشر ، هي سبب تنوّع الألفاظ المشتقّة من مادة واحدة . والكلمة المؤلفة من الحروف الأصلية ، إمّا ثنائية ، أو ثلاثية ، أو رباعية ، أو خماسية ، و إن كان البعض قد ردّ الألفاظ المؤلفة من أربعة حروف أو أكثر إلى الثلاثي بطر يق الاشتقاق أو النحت !! والثلاثي هو ما يتألف من ثلاثة حروف أصلية كـ ( ض ، ر ، ب ) ، والثنائي هو ما يتألف من حرفين أصلين كـ ( ق ، د ) |
|
ـ 6 ـ وقد سعى البعض في إرجاع الثلاثي إلى الثنائي ، وذلك بعد البحث عن الصلة المعنو ية بينهما ، وكان الخليل ( م 175 ) وسيبو يه ( م 180 ) وأبو علي الفارسي ( م 377 ) وابن جني ( م 392 ) من الأوائل الذين طرحوا هذه النظر ية ، وكان الأخير أدَقّهم وأجرأهم لتوثيق ما ذهب إليه ، إذ بسط القول في ذكر الأمثلة وما شاهده من صلات بين الالفاظ المشترِكة في حرفين ، أو في حرف واحد مع التشابه في الحروف الأخرى .وقد اعتبر هؤلاء الحرف الثالث منوِّعاً للمعنى العام الذي تدلّ عليه الأصول الثنائية ، ومثال ذلك : قط ، قطع ، قطف ، قطل ، قطم ... فالأصل في هذه الكلمات على رأي القائلين بالثنائية هما الحرفان الأوّلان منها ، وهما « قط » ، وأ مّا الحرف الثالث فيها ( ع ، ف ، ل ، م ) فهي منوعة لمعنى القطع ، ومخصّصة له ، وكذلك ( غمز ، غمس ، غمر ، غمق ، غم ، غما ، غمى ) فالأصل فيها ( غم ) و يفيد التغطيه والإخفاء ، والحرف الثالث مخصِّصٌ تُفيدُ الكلمة بإضافته معنىً خاصاً من معاني التغطية . و يمكن القول بمثل هذا في المواد أو المجموعات الّتي تشترك في النون والفاء ( نف ) ، والنون والباء ( نب ) ، أو القاف والصاد ( قص ) ، أو الفاء والراء ( فر ) وأمثالها . هذا ، و إنّ غالب الذين ذهبوا إلى ثنائية الكلمة يعتقدون أنّ الكلمة وضعت في أوّل أمرها على هجاء واحد ، متحرّك فساكن ، محاكاة لأصوات الطبيعة ، ثمّ فُثِّمت ـ أي ز يد فيها حرف أو أكثر في الصدر ، أو القلب ، أو الطرف ـ فتصرّف المتكلّمون بها تصرّفاً يختلف باختلاف البلاد ، والقبائل ، والبيئات ، والأهو ية . فكان لكلِّ ز يادة ، أو حذف ، أو قلب ، أو إبدال ، أو صيغة ، معناةٌ ، أو غايةٌ ، أو فكرةٌ دون أُختها ، ثمّ جاء الاستعمال فأقرّها مع الزمن على ما أوحته إليهم الطبيعة ، أو ساقهم إليها الاستقراء ، والتّتبّع الدقيق ، وفي كلّ ذلك من الأسرار والغوامض |
|
ـ 7 ـ الآخذة بالألباب ، ما تجلّت بعد ذلك تجلّياً بديعاً ، استقرّت على سُنن وأصول وأحكام لن تتزعزع... و يسمّى هذا النوع من الاشتقاق بالاشتقاق الكبير .وممّا تجب الإشارة إليه هنا ، هو إن الخليل الفراهيدي أّول من فتح باب الاشتقاق الكبير ، أو قل التقاليب كـ ( ركب ، ربك ، كبر ، كرب ، بكر ، برك ) لكنه لم يكن يعني بعمله إرجاع الحروف الأصليّة إلى معنى مشترك واحد بينها مثلما فعله ابن جني وغيره ، بل إنّ عمله جاء طبقاً لمخارج الحروف . وعليه فالقول بأنّ ( ق ، و ، ل ) وسائر تراكيبها تفيد الخفوف والحركة ، وأنّ مقاليب ( ك ، ل ،م ) تفيد القوة والشدة ، و ( س ، ل ،م ) تفيد الضعف واللين ، وما شابه ذلك إنّما هو شيء جاء من قِبَل اجتهادات ابن جني في كتابه الخصائص وغيره . أمّا الاشتقاق الصغير ، فهو الأساس الثلاثي للكلمة وما يشتق منه ، وهو أكثر أنواع الاشتقاق وروداً في العربية ، وهو الذي تدور عليه رحى كتب اللغة فـ ( ض ، ر ، ب ) اشتق منه الضارب ، والمضروب ، واضرب ، و يضرب ، و يضربن و... ومثله ( ع ، ر ، ف ) فقد اشتق منه عرّف ، تعرف ، تعارف ، عُرف و... هذا ، وقد أ لّف بعض المتقدّمين كالأصمعي ، وقطرب ، وأبي الحسن ، والأخفش ، وأبي نصر الباهلي ، والمفضل بن سلمة ، والمبرد ، وابن در يد ، والزجاج ، وابن السراج ، والنحاس وابن خالو يه كتباً في الاشتقاق . وأمّا الاشتقاق الصغير فإنّه يعني رجوع التصار يف المختلفة إلى معنى جامع مشترك بينها كما رأيته في ( ض ، ر ، ب ) و ( ع ، ر ، ف ) وهذا من خصائص اللغة العربية ولم يلحظ مثله في اللغات الأخرى . فإذا اخذت كلمة ( كتب ) مثلاً واشتقاقاتها من ( كاتب ، مكتوب ، كتاب ، مكتبة ،
|
|
ـ 8 ـ مكتب ، يكتب ، اكتب و... ) وجدت أن الحروف الأصلية موجودة في كلّ مفردة منها ، ومثله معنى الكتابة ، على عكس اللغات الأخرى ، حيث لا توجد صلة بين كلمات الأسرة الواحدة ، فمثلاً ( كَتَبَ ) في اللغة الانجليز ية تسمى ( Write ) والكتاب ( Book ) والمكتبة ( Library ) فلا علقة بين حروف ومفردات تلك اللغة ، الأمر الذي جعل اللغة الانجليزية تختلف من جيل إلى آخر ، ولا يلحظ الصلة اللغو ية بين ماضيها وحاضرها .ومثله الحالة المشاهدة في اللغة العبر ية ، فالتوراة لا يقرأها بلغتها العبر ية إلاّ أحبار اليهود ، ونفر ممّن تفرّغوا لدراستها ، وأما سائر اليهود فيقرأون التوراة كلٌّ بلغةِ سكان البلاد الّتي يعيش فيها ، ومثله حال المسيحين مع لغتهم . وهذا بخلاف العربية ، إذ أنّ أبناءها اليوم وبعد ألف وأربعمائة سنة يفهمون أشعار الجاهليّين كما يفهمون أشعار أبي تمام ، والبحتري ، والمتنبي ، وأبي العلاء المعرّي ، والشر يف الرضي ، وهذان ما لا يلحظ في اللغات الاخرى ، إذ أنّ اللغة القديمة عندهم تختلف عن الحديثة بشيء . قال بلاشير : إنّ وحدة اللغة العربية هي وحدة أخلاقية ودينيةقبل كلّ شيء ، مؤسسة على وحدة تار يخ اللغة ، و إنّنا كلّما درسنااللغة الفرنسية لاحظنا أ نّها تطوّرت عبر العصور بحيث نجد لهاأطواراً ، فإذا قارنّا حالة اللغة الفرنسية في العصور الوسطى وجدناأ نّها مغايرة للّغة المستعملة في القرن السابع عشر ، وهذه أيضاًمختلفة عن لغتنا اليوم . هذه الوحدة في اللغة الفرنسية لا تتضح إلاّ بالبحث والمقارنة ،في حين أنّ وحدة اللغة العربية تتّضح للقارئ ولو كان أجنبياً لأوّل |
|
ـ 9 ـ وهلة .وبنظرنا أنّ فضل بقاء هذه الوحدة اللغو ية المحبكة يرجع إلى الإسلام والقرآن ـ ذلك الكتاب السماوي المنزل على نبيّه محمّد وعليه ، فالكلمة العربية هي لغة الدين ، وهي مركّبة من المادّة الصوتية والقيمة التعبير ية الموحية ، ولكلِّ حرف منها ظلٌّ وشعاع ، وصدى و إشعاع ، ولو جمع الواحد منها مع الآخر كان له معنى ومفهوم يغاير الآخر ، و إن كان البعض ـ كابن جني ـ يرى سرّاً في هكذا اختلاف ، لأنّ « صعد » غير « سعد » إذ أنّ ما هو بالصاد جاء للصعود من الجبل والحائط لأ نّها قو ية ، والسين لضعفها لما لا يظهر ولا يُشاهد حساً ، إلاّ أ نّه مع ذلك فيه صعود الجدّ ، لا صعود الجسم ، فجعلوا الصاد لقوتها فيما يشاهد من الافعال المعالجة المتجشمة ، وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس و إنّ لم تره العين . وقال ابن در يد في الجمهرة : الخَنَنُ في الكلام أشدّ من الغَنَنِ ، والخُنَّة أشدّ من الغُنَّة ، والأنِيتُ أشدّ من الأنين ، والرَّنين أشدّ من الحنين . وفي الإبدال لابن السكيت : يقال : القبصة أصغر من القبضة ، قال في الجمهرة : القَبصُ : الأخذ بأطراف الأنامل ، والقَبْضُ : الأخذ بالكفّ كلّها . وقال الكسائي : القَضْمُ للفرس ، والخَضْمُ للإنسان .
|
|
ـ 10 ـ وقال غيره : القَضْمُ بأطراف الأسنان ، والخَضْمُ بأقصى الأضراس .وقال أبو عمرو : النضح ـ بالضاد المعجمة ـ : الشرب دون الريّ ، والنصح ، بالصاد المهملة : الشرب حتّى يروى ، والنشح ، بالشين المعجمة دون النضح بالضاد المعجمة ... والتغيير قد يقع في وسط الكلمة كـ ( ق ، ت ، ر ) و ( ق ، ط ، ر ) و ( ق ، د ، ر ) فالتاء خافية ; كقولهم : قتر الشيء ، والطاء سامية متصعّدة ( قطر ) والدال ليس لها صعود الطاء ولا نزول التاء فتكون بين هذا وذاك . وقد يأتي في آخر الكلمة كما في النضخ والنضح ، فالنضخ يأتي للماء وغيره ، وهو أقوى مما بالحاء ; كقوله فِيهما عينان نضَّاخَتانِ فاستعملت العرب الحاء لرقتها للماء الضعيف ، والخاء لغلظتها لما هو أقوى منه .كانت هذه نماذج موضحة للقيمة التعبير ية للكلمة ، وهو ما يبحث غالباً في فقه اللغة لا في أنحاء اشتقاقها ، ونحن و إن كنّا لا نهدف التفصيل في مثل هذه الأمور لكنّا رأينا أنّ طرح بعض الشيء في هذا المجال ممّا لا يستغني عنه احد . والآن لنرجع إلى حقيقة الاشتقاق وأبنية المصادر ، لكونها أوفق وأقرب لما نحن فيه ، إذ من الثابت أنّ أسماء الأعيان ـ المشاهدة المرئيّة ـ وجدت قبل أسماء المعاني ، فلا يعقل تصور التَّأَ بُّل ـ أي اتّخاذ الإبل ـ قبل وضع لفظ « الإبل » نفسه ، والتضلع قبل « الضلع » ، والتبحر قبل « البحّر » ، والسموّ قبل « السماء » . فأسماء الأعيان هي أصل الاشتقاق لا المصادر ، لأنّ هذه المصادر كالأفعال لا تتقيد بمواز ين دقيقة ، ولا تقاس اقيسة سليمة مطردة ، وقد أكثر العرب اشتقاق
|
|
|
|