الثلاثاء 8 محرم 1430  

بحث

اسئلة واجوبة

محاضراته

مقالات وحوار

مؤلفاته

HOME

تفضيلات       الفهرس

 الصفحة السابقة / 496   الصفحة اللاحقة 

ـ 11 ـ

وبيان لما قاله أهل السنّة والجماعة بمذاهبهم الأربعة ، والشيعة ـ بفرقها الثلاث ـ في بدء الأذان ، ثمّ كانت لنا وقفه مع أحاديث الرؤيا ، ثمّ تحقيق في ما وراء نظرية الرؤيا.
    منبهاً القارئ الكريم على أن هذه الدراسة هي مواضيع مترابط بعضها ببعض ترابطاً وثيقاً ، فلا يمكن فهم مكانة الشهادة الثالثة في الأذان إلاّ بعد قراءة « حيّ على خير العمل ».
    ونظير هذا ما يتعلق بالحَيعَلة الثالثة « حيّ على خير العمل » ، فإن معناها لايتّضح كاملاً إلاّ بعد قراءة الشهادة الثالثة « أشهد أن عليّاً وليّ الله ».
    أمّا « الصلاة خير من النوم » فهي الجدار الحائل بين البابَين ، والموضح لأسرار محاربة شرعية وشعارية الشهادة والحيعلة الثالثتين.

وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين


    البريد الاكتروني للمؤلف:
    
E-mail: shahrestani@imamreza.net


    موقع المؤلف على الانترنيت:
    
http://www.shahrestani.org




ـ 12 ـ



ـ 13 ـ



بحوث تمهيدية

* الأذان لغة واصطلاحاً
* تاريخ الأذان
* بدء الأذان عند أهل السنّة والجماعة
* أهل البيت وبدء الأذان
* وقفة مع أحاديث الرؤيا
* تحقيق فيما وراء نظرية الرؤيا
* الأذان إعلام للصلاة أم بيان لأصول العقيدة ؟
* الأذان وآثاره في الحياة الاجتماعية


ـ 14 ـ



ـ 15 ـ



    الأذان نغمة الوحي في سماء الدنيا ، يُرتّلها المؤذِّن آناء الليل وأطراف النهار ، داعياً عباد الله إلى عبادته جلّ شأنه ، ناطقاً بالحقيقة الخالدة ، معلناً حقائق الدين الحنيف بكلّ صراحة ووضوح ، مُذَكِّراً بحلول وقت مناجاة الربّ الكريم ، والدخول في حضرة الجليل.
    كلمات تهزّ المشاعر والعواطف وتشدّ الأرواح إلى مالكها الذي اليه الرُّجعى وإليه المصير.
    أسماء مباركة تردّدها شفاه المؤمنين ، فتزيد المؤمن إيماناً ، والكافر عناداً وخسراناً.
    إنّه دعوة الرحمن أولياءه إلى الطاعة والرحمة والمغفرة ، وهو نداء ملائكة السماء ، وأُنشودة المؤمنين إلى قيام يوم الدين.


ـ 16 ـ

    وما أن يتمّ المؤذن نداءه للظهر ثم العصر ، حتّى يحلّ الغروب وظلام الليل ، وإذا بتراتيل الإسلام :
    أشهدُ أن لا إله الاَّ الله ، أشهدُ أن لا إله الاَّ الله.
    أشهدُ أن محمّداً رسول الله ، أشهدُ أن محمّداً رسول الله تعلو من المآذن.
    فالأذان حينذاك إعلام لإقامة الصلاة في غسق الليل ، وما أن يتمّ المؤمن صلاته ومناجاته مع ربّه حتّى ينصرف إلى الرقاد ، وإذا بالصبح يطلع عليه بفجره الصادق هاتفاً المؤذن فيه باسم الربّ الجليل وباسم الرسول الأمين تارة أُخرى :
    أشهد أن لا إله الاَّ الله ، أشهد أن لا إله الاَّ الله.
    أشهد أنّ محمداً رسول الله ، أشهد أنّ محمداً رسول الله.
    ليقيم ما أمر به الله في كتابه أقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشَّمسِ إلى غَسَقِ الليلِ وقرآن الفجرِ إن قرآنَ الفجرِ كانَ مَشهوداً (1).
* * *
    والأذان من السنن المؤكّدة التي حثّ عليها الشارع المقدّس ، وهي دعوة الخالق لعباده إلى الدخول في أجواء رحابه المباركة اللامتناهية فُرادى أو مجتمعين ، متراصّين متحابّين ، مؤمنين ، في زمان معيّن ومكان واحد ، وباتّجاه محور وقبلة واحدة ، يرهبون باجتماعهم أعداء الله وجند إبليس.
    إنّه إذاً من أعظم الشعائر الإسلاميّة ؛ لكونه دعوة الحيّ القيّوم لتنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وتذكير الناسين ، بل هو من مصاديق قوله جلّ شأنه : ومن أحسنُ قَولاً ممّن دعا إلى الله وعَمِلَ صالـحاً وقالَ إنّـني من المسلمين (2).
    ولعلّ من الغرابة بمكان أن نرى وقوع الاختلاف في أمر بديهيّ وإعلاميّ


ـ 17 ـ

كالأذان الذي ينادي به مؤذّنو المسلمين في كلّ يوم وليلة عدّة مرات ـ على اختلاف ألسنة الناس ـ بلسان عربي مبين ، ومن على المآذن وبصوت عال يسمعه الجميع.
    فنتساءل عن سبب الاختلاف والتنازع في فصول هذه الشَّعيرة الإسلاميّة ؟ ولماذا يكون اختلاف في مثل هذه المسألة بين المذاهب الإسلاميّة ؟
    بل لماذا تذهب الشافعيّة إلى تربيع التكبير بخلاف المالكيّة القائلة بتثنيته ؟
    وهل هناك أُمور خفيّة وراء اختلافهم في إفراد أو تثنية الإقامة ؟!
    وهل حقاً أنّ هناك تثويباً(1)أوَّلا وتثويباً ثانياً ؟
    وهل يجب أن يؤتى بالتثويب في أثناء فصول الأذان ، أم بعدها قبل الإقامة ؟ بل ما هو المعني بالتثويب ؟ هل هو : « الصلاة خير من النوم » أو « قد قامت الصلاة » أو : « حيّ على خير العمل » أو هو شيء آخر ؟
    ثُمَّ لماذا اختلفت رواية عبدالله بن زيد بن عبدربّه بن ثعلبة الأنصاري في الأذان(2) عن رواية أبي محذورة القرشي ؟
    ولماذا تجيز المذاهب الأربعة الأذان قبل الوقت لصلاة الفجر خاصّة ، مع تأكيدهم المبرم على عدم جواز ذلك في سائر الأوقات المعيّنة ؟


ـ 18 ـ

و كيف يمكن تصحيح خبر تأذين ابن أُمّ مكتوم الأعمى للفجر ، وتضعيفهم لروايات صحيحة أخرى تطابق العقل والشرع في أنه كان يؤذّن بالليل وفي شهر رمضان خاصة ؟
    بل كيف يقولون بتأذين ابن أُم مكتوم مع قولهم بكراهة تأذين الأعمى ؟
    أضف إلى ذلك كله أنّه ما الداعي إلى اختلاف أذان أهل مكّة عن أذان أهل المدينة ، واختلاف الأذانين عن أذاني أهل الكوفة وأهل البصرة ؟
    ولماذا يختلفون فيما هو ـ واللفظ لابن حزم ـ « منقول نقل الكافّة بمكّة وبالمدينة وبالكوفة ، لأنّه لم يمرّ بأهل الإسلام يوم إلاّ وهم يؤذّنون فيه في كلّ مسجد من مساجدهم خمس مرّات فأكثر ، فمثل هذا لا يجوز أن يُنسى ولا أن يُحرّف »(1).
    فلماذا نُسي أو حُرّف هذا الأذان واختُلف فيه بين مصر وآخر ؟
    ولو صحّ ما قاله ابن حزم ـ من صحّة جميع منقولات الأذان على اختلافها ـ عند جمعه بين الوجوه في الأذان ؛ فكيف يمكننا أن نوفّق بين وحدة الشريعة وبين تعدّدية الأذان ؟ فهل كان رسول الله قد صحّح الجميع ؟ أم وقع في الأذان تغيير يشهد به إحداث عثمان بن عفان للأذان الثالث يوم الجمعة(2) ؟.
    قال ابن حزم جامعاً بين كلّ تلك الوجوه :
« ... كلّ هذه الوجوه قد كان يُؤذّن بها على عهد رسول الله بلا شكّ ، وكان الأذان بمكّة على عهد رسول الله يسمعه إذا حجّ ، ثمّ يسمعه أبو بكر وعمر ، ثم عثمان بعده ... فمن


ـ 19 ـ

الباطل الممتنع المحال الذي لا يحلّ أن يظنّ بهم أنّ أهل مكّة بدّلوا الأذان وسمعه أحد هؤلاء الخلفاء رضي الله عنهم ، أو بلغه والخلافة بيده فلم يغيّر...
وكذلك فُتحت الكوفة ونزل بها طوائف من الصحابة رضي الله عنهم ، وتداولها عمّال عمر بن الخطاب ، وعمّال عثمان رضي الله عنهما ، كأبي موسى الأشعري ، وابن مسعود ، وعمّار ، والمغيرة ، وسعد بن أبي وقّاص. ولم يَزَل الصحابة الخارجون عن الكوفة يؤذّنون في كلّ يوم سفرهم خمس مرات ، إلى أن بَنَوها وسكنوها ، فمن الباطل المحال أن يُحال الأذان بحضرة من ذكرنا ويخفى ذلك على عمر وعثمان أو يعلمه أحدهما فيقرّه ولا ينكره.
ثم سكن الكوفة عليّ بن أبي طالب إلى أن مات ، وأنفذ العمّال من قِبله إلى مكّة والمدينة ، ثمّ الحسن ابنهُ رضي الله عنه إلى أن سلّم الأمر لمعاوية ، فمن المحال أن يُغيَّر الأذان ولا ينكر تغييره عليّ ولا الحسن ، ولو جاز ذلك على عليّ لجاز مثله على أبي بكر وعمر وعثمان ، وحاشا لهم من هذا فما يَظنُّ هذا بهم ولا بأحد منهم مسلمٌ أصلاً.
فإن قالوا : ليس أذان مكّة ولا أذان الكوفة نقل كافّة.
قيل لهم : فإن قالوا لكم : بل أذان أهل المدينة ليس هو نقل كافة ، فما الفرق ؟
فإنِ ادّعوا في هذا محالاً ادُّعي عليهم مثله.
فإن قالوا : إن أذان أهل مكّة وأهل الكوفة يرجع إلى قوم


ـ 20 ـ

محصور عددهم.
قيل لهم : وأذان أهل المدينة يرجع إلى ثلاثة رجال لا أكثر ، مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب فقط ، وإنّما أخذه أصحاب هؤلاء عن هؤلاء فقط.
فإن قالوا : لم يختلف في.. »(1).
    إلى غيرها من عشرات الأسئلة التي طرحها ابن حزم وسعى لرفعها ، لكن المشكلة بقيت كما هي ، فما الذي تكتنفه هذه المسألة من الملابسات إذاً ؟
    وهل يُعدّ هذا الاختلاف حقاً من الاختلاف المسموح به في الشريعة ، أم أنّه شيء آخر ؟.
    بل لِم اشتدّ أُوار النزاع بين المسلمين في أمور بديهية ، كالوضوء والأذان ـ مثلاً ـ وهما من الأمور العبادية التي يؤدّيها كلّ مسلم عدّة مرّات في اليوم والليلة ؟
    قال ابن حزم : « أربعة أشياء تَنازَع الناسُ فيها : الوضوء ، والأذان ، والإقامة ، والطواف بالبيت »(2).
    وهل يمكن جعل معيار الاختلاف في الأذان بمثابة الاختلاف في تعيين المُدِّ والصاع والوسق الذي يُختلف فيه بين منطقة وأُخرى ، أو يُغيَّر ـ أي يُحدَثُ فيه من قبل الأمير والخليفة لحاجةٍ له فيه ؟
كلا « ليس هذا من المدّ والصاع والوسق في شيء ، لأنّ كل مدّ أو قفيز أُحدث بالمدينة وبالكوفة قد عُرف ، كما عُرف


 الصفحة السابقة / 496   الصفحة اللاحقة