الثلاثاء 8 محرم 1430  

بحث

اسئلة واجوبة

محاضراته

مقالات وحوار

مؤلفاته

HOME

الدكتوران البوكيلي و أيت أحمد وعلي
يحاوران السيد الشهرستاني في المغرب

نشرت جريدة (التجديد) الصادرة عن حركة التوحيد والإصلاح المغربية في عددها 142 بتاريخ السبت 09 ذو القعدة 1421 موافق03فبراير 2001 (ملف العدد :التقارب السني والشيعي بين الصعوبة والعقبات) الحوار الذي اجراه الدكتور احمد البوكيلي والدكتورة مريم أيت أحمد وعلي على ضفاف المحيط الاطلسي وفي باحة مسجد الحسن الثاني واليك نص الحوار اخذناه من موقع (التجديد) على الانترنيت
ماذا يعني الحديث عن التقارب السني الشيعي في هذه المرحلة من تاريخ الأمة؟ هل هو إحياء لنقاش غابر في الأزمان أم رغبة لتجاوز جروح الماضي وإنهاء لصراع تاريخي. استمر طويلا وتأذت منه الأمة كثيرا؟ .. ومن جهة أخرى أي حاجة تدفعنا إلى البحث عن سبل التقارب بين مذهبين إسلاميين ظلا متخاصمين قرونا من الزمن؟ أهو ضغط العولمة وإكراه العصر من أجل توحيد قوى الأمة ورص إمكاناتها، أم هي صيرورة الأمور لتعود كما كانت في المهد صافية كالماء الزلال؟..وحينها تنتفي الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهور المذهبية في التاريخ الإسلامي، لنعود إلى مرحلة إسلام بلا مذاهب؟.. وإذا ما توفرت كل هذ الشروط ألن تنهض من جديد العراقيل التي اصطدم بها مشروع التقريب على مدى العصور السالفة؟ ويحتفظ الشيعة بما لديهم من تعصب، والسنة كذلك، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، ولفتح الباب أمام المزيد من الأسئلة نقدم للقارئ هذا الملف الذي يشارك فيه عالم إيراني هو الشيخ علي الشهرستاني ليقدم رأيه في الموضوع. ومن الجهة المقابلة نقدم رأي الشيخ عبد الباري الزمزمي أحد كبار علماء السنة في المغرب، وبينهما نضع خمس مبادئ أساسية وضعها الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي للتقريب بين المذهبين. وفي الملف، كذلك، تقرأون كيف يعيش الطلبة المغاربة في إيران على اعتبار أن ذلك يشكل وجها من وجوه التواصل الثقافي بين الشيعة والسنة .

نور الدين بنمالك

" التجديد" في حوار مع الشيخ علي الشهرستاني مسؤول عن مؤسسة آل البيت لإحياء التراث بإيران
ما عرفه التاريخ الإسلامي من صراع ومعارك طائفية سببه الجهل والتعصب للذات

حاوره: أحمد البوكيلي*
مريم أيت أحمد وعلي**

آثار الحضور المكثف والقوي لدور النشر الشيعية بالمعرض الدولي الثامن للكتاب والنشر بالدار البيضاء، العديد من المواقف في الساحة الثقافية المغربية، وفي الوقت الذي اعتبر البعض هذا "الانزال" مخططا سياسيا من قبل بعض الجهات لتمزيق الخريطة المذهبية للهيكل التنظيمي للحركات الإسلامية اعتبره البعض الآخر فرصة تاريخية للدعوة والتبشير بالخط الشيعي... وخلافا لهذه الآراء فإننا ونحن ندعو إلى الاستفادة من الخطاب الشيعي لخصوصياته المنهجية وأطروحاته النظرية، فإننا ننبه إلى أننا في غنى عن إحياء عقلية الصراعات التاريخية وإعادة إنتاج التعصب الطائفي بشكل جديد على أساس أن ذلك سيؤثر سلبا على القضية المركزية وهي كيفية تفعيل أخلاقيات الاختلاف والتنظيم وإدارة الحوار بين مختلف المكونات المذهبية للأمة الإسلامية، وفي هذا السياق يأتي هذا الحوار...

مرحبا بسماحة الشيخ علي الشهرستاني على مائدة الفكر الإسلامي بالمغرب بداية نود أن تقدموا لنا نبذة عن حياتكم العلمية.

علي الشهرستاني باحث وكاتب أسكن مدينة مشهد وهي من المدن الإيرانية. ومسؤول عن مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، وهي مؤسسة تهتم وتعتني بإحياء التراث الإسلامي، ولنا مؤسسات أخرى، وهذه فرصة للإجابة عن تساؤلاتكم، فمرحبا.


سماحة الشيخ كيف تقاربون حدودالعلاقة بين ما هو مذهبي وما هو سياسي في التجربة التاريخية لنشأة الخطاب الشيعي وخصوصا من زاوية المسافة الفاصلة بين ثنائىة الديني والسياسي؟!

الخطاب الشيعي هو خطاب إسلامي وليس بخطاب طائفي يختص بطائفة معينة، لأن منبع الاستقاء هو الكتاب والسنة والحمد لله أننا جميعا نتفق على هذه الأرضية، أرضية الكتاب والسنة ولذلك فنحن جميعا من أهل السنة لاتباعنا السنة، ونحن جميعا شيعة لحبنا لآل البيت عليهم السلام، فإذن الخطاب الشيعي هو وجهة نظر خاصة تطرح في المسائل الإسلامية بحثا ودراسة من زاوية نظر أهل البيت، ومن ثم فالقضية هي عبارة عن وجهة نظر فكرية أكثر مما هي مذهبية بالمفهوم الطائفي.

بخلاف موضوعية جزء من النخبة المثقفة سواء في إطار الدائرة السنية أو الشيعية يلاحظ بأن تمثل المخيلة الشعبية الإسلامية لذاكرة الصراع التاريخي يتم غالبا بإحياء سيكولوجية الحقد وثقافة الرفض بممارسة وإنتاج العديد من ظواهر إقصاء الآخر كيف تنظرون إلى هذه القضية؟!!

هذه المسألة تظهر وتثبث القول المعروف بأن الناس أعداء ما يجهلون بحيث مرة نتعامل مع القضايا والأحداث بلغة العاطفة ومرة نتعامل مع الأمور بعقلانية وموضوعية، فالخطاب الشيعي هو الدعوة إلى دراسة التاريخ والفكر والحديث دراسة علمية، فنحن ندعو إلى لغة الحوار لا إلى لغة الجدل، لأن الجدل لا يوصلنا إلى نتيجة، وهو المنهي عنه في القرآن الكريم، أما تفهم النقاط وتفهم الأصول فهي من الضروريات الأساسية في العمل العلمي، لأن غالبية البحوث العلمية ـ وللأسف الشديد تفتقر إلى لغة الحوار العلمي الرصين والاستماع إلى أدلة الآخرين، فهذه هي الأمور التي ينبغي ملاحظلاتها في مناقشاتنا وفي أطروحاتنا.

أما لغة العاطفة ولغة التقديس ولغة تكفير الآخرين فهذه لغة تتنافى مع القرآن والسنة النبوية، بالإضافة إلى أن التعصب لا يجوز الاعتماد عليه وتحكيمه في مجال البحوث العلمية والدراسات الرزينة. بل الدليل والمنطق هما المعيار في الخطاب الإسلامي الأصيل، كما في قوله تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) أما مسألة الإثارة بتكفير الآخر أو ما شابه ذلك فإنها قضية لا يستسيغها العقل الإنساني.
هناك مجهودات متواضعة للتقريب بين المذاهب الإسلامية في العالم الإسلامي وفي هذا السياق كان للمغرب شرف استضافة ندوات خاصة للتقريب بين الشيعة والسنة، غير أن المشكلة المطروحة هو كيفية حل التناقض التالي: كون القاعدة المرجعية للأمة الإسلامية هي التوحيد والوحدة... في حين واقعنا يشهد بأن الجغرافية السياسية والخريطة المذهبية للأمة لا ينتجان سوى التمزق والتشرذم وأكبر دليل على ذلك الإشكالية المذهبية التي تمثل قنبلة يستثمرها الاستكبار العالمي والمحلي بالطريقة التي يحلو له؟!

نحن مطالبون بالوحدة غير أنه يجب التمييز بين أشكال الوحدة وأنواعها، فبالنسبة إلينا نحن لا ندعو إلى الوحدة الفكرية لأن الاختلاف موجود منذ بداية العمران البشري مصداقا لقوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) ومن ثم فالإشكالية هي أن نعطي فرصة للأجنبي لكي يستفيد من الخلاف ويوجهه لخدمة أغراضه وتمزيق وحدة الأمة.

إننا ندعو إلى توحيد الرؤى الفقهية بمعنى توحيد المواقف الحضارية، على أساس أن الفكر هو السلاح الأول الذي أعطانا الله سبحانه وتعالى لبحث الأمور ومدارسة الأشياء.

فالاختلاف سنة طبيعية في المنظور التشريعي الإسلامي ولذلك لايجب أن يشكل لنا عقدة نكفر من خلالها الآخرين الذين يختلفون معنا، وإخراجهم من الدائرة الإسلامية.

بالفعل ما أشرتم إليه صحيح، خصوصا وأن عظمة الإسلام تتجلى في تنظيم الاختلاف داخل الوحدة الحضارية للأمة، غير أنه للأسف يتم التركيز على نقاط الاختلاف أكثر مما يتم التركيز على نقاط الوحدة وأكبر دليل على ذلك غياب المشاريع النظرية المشتركة بين علماء السنة والشيعة حيث التفكير في إعادة تشكيل العقل الإسلامي بشكل يقبل الاختلاف في إطار دائرة الوحدة، بمنطق تغليب مقاصد وحدة الأمة على مصلحة الانتماء المذهبي؟

نحن ندعو إلى لزوم رفع هذا الخلاف الموجود لأن مسألة الجهل هي العامل الرئيسي لكل الصراعات التي تقع على مر التاريخ،ومن ثم لو ارتفع المستوى الثقافي وحل العلم محل الجهل فإن الأمور ستتغير، بخلاف ما عرفه التاريخ الإسلامي من صراع ومعارك طائفية كان سببها الأول هو التعصب للذات والجهل بالآخر، والحمد لله اليوم، فإننا نعيش عصر العلم والانفتاح والانترنيت... حيث تختلف ثقافة هذا العصر ولسانه عن عصور الانحطاط والجهل، لأنه كان لتلك العصور آلياتها وأسبابها ولعصرنا آلياته واستخداماته، فالذي ندعو إليه هو البحث العلمي النزيه المجرد وعقد ندوات للحوار بين الأعلام المفكرين والاستفادة من الأسس التي يعتمدها ويستعين بها الطرف الآخر.

وكمثال على ذلك إذا أراد الشيعي أن يتكلم عن أهل السنة والجماعة أو العكس فينبغي أن يعرف أصول وآليات الطرف الآخر حتى لا يسقط أصوله وأسسه على قراءة الآخر، إذن فالمسألة تدعو إلى التجرد عن العصبية والجهل والروح الطائفية مع الحفاظ طبعا على أخلاقيات التعرف على أصول الطرفين في إطار الحوار والنقاش.

وبناء عليه، فالشيء العملي الذي نقترحه في إدارة لغة الحوار هو الانفتاح على أصول الغير وهذا بدوره يستلزم أن تكون هناك جامعات أو معاهد دينية تدرس فيها أصول المذاهب الإسلامية ولعل هذه خطوة أولية لرفع الجهل والابتعاد عن كل أشكال التعصب، وأعتقد بأن تدريس هذه الأصول هو بداية تأصيل البحث العلمي الموضوعي وهو ما يدعو إلىه الله تعالى ورسوله والعقل السليم.



ألا ترون سماحة الشيخ بأنه قبل اعتماد ما تفضلتم به من ضرورة الأخذ بالمدخل الأكاديمي للحوار بين المذاهب بأننا نحتاج أولا إلى إيجاد نخبة مثقفة تتحمل مسؤوليها الرسالية تجاه الأمة. بمعنى أنه من أوليات التقريب بين المذاهب تشكيل قطب قوي من العلماء الموضوعيين لإدارة الاختلاف عبر غرس أخلاقيات القبول بالآخر كجزء من برنامج ومشروع حضاري عام للتنشئة الثقافية؟!!

جيد هذا من ضروريات العمل العلمي، وهو تربية الناشئة على القيام بجموعة أبحاث سواء في المجال التاريخي أو غير ذلك من الحالات شريطة التحلي بالأخلاق التي أشرنا إليها سابقا.

> هل يبقى لنا من مبرر شرعي لكي لانفتح الحوار الشامل فيما بيننا خصوصا في زمن توحيد العالم في ظل مشروع العولمة القاضي بتنميط الحضارات المجتمعية، كيف تتصورون بناء الشخصية الحضارية للأمة الإسلامية على ضوء الشعور بالمسؤولية تجاه الله سبحانه وتعالى ثم تجاه التاريخ والمستقبل!!!

>> أحسنتم، هذه هي المسؤولية التي يجب أن يحس بها كل مسلم وكل إنسان رسالي وكل صاحب فكر، لأن العدو يمتلك من وسائل القوة ومخططات الهيمنة ما يدفعنا إلى الشعور بأن الوحدة لا محيص عنها إذا أردنا التمكين لهذا الدين وتوسيع دائرة الفعل الحضاري لأمتنا الإسلامية، وكذلك فاتحادنا على أرضية العقيدة يعطينا القوة التي تخوف العدو الاجنبي، أما إثارة المسائل الطائفية عمل يؤدي فقط إلى مساعدة الأجنبي على الاختراق وتمزيق الأمة، وهذا مما لا يخدم الدين ولا الفكر.

فالذي نرجوه ونطلبه من إخواننا هو العمل في سبيل تقوية أواصر المحبة والتعاون عبر تشكيل ندوات وإقامة مؤتمرات وتنظيم لقاءات مفتوحة ليفهم كل واحد منا الآخر، وهذه أمور ضرورية للوصول إلى الوحدة الإسلامية إن شاء الله، أما الابتعاد عن الآخر وعدم الالتقاء به فهو عمليا يعطي الفرصة للشيطان وللأجنبي لكي يمزقا صفوفنا، وبناء على هذا التصور فإن الذي ندعو إليه هو الحوار المباشر على أرضية الفكر والعقيدة، على أرضية المشتركات لا على الاختلافات لأن النقاط المشتركة فيما بيننا كثيرة جدا، ولو اجتمعنا عليها لكان منطلقا للعمل أما وأن نبقى نناقش دائما نقاط الاختلاف فإننا وللأسف الشديد لا نعمل إلا على المزيد من تمزيق أمل الوحدة، ولذلك يبقى الاهتمام والتركيز على النقاط المشتركة التصور العملي لتوحيد الأمة إن شاء الله وهذا ما يحث عليه المولى عز وجل والسنة النبوية والعقل.. ونأمل أن نوفق إن شاء الله تعالى.

> الخطاب الذي تفضلتم به هو خطاب يمثل قاعدة "الاجماع" بين علماء الأمة ولكن المشكلة ليست في الخطاب النظري على أساس أن هناك وجهة نظر تنطلق من أنكم تعتمدون شعارات الحوار والتقريب فقط لاختراق الساحة الثقافية في العالم الإسلامي والدليل على ذلك "الإنزال" القوي للكتاب الشيعي بالمعرض لدرجة يمكن التساؤل عن موقع لغة الحوار في الكتب الشيعية المعروضة؟!!!

>> إن القاعدة العلمية التي أشرنا إليها كفيلة بالجواب عن هذا الإشكال على أساس أن الحكم على الآخر يقتضي الإطلاع على أصوله وقواعده وبالتالي فكما علينا دراسة الآخرين فعلى الآخرين أيضا أن يتعرفوا علينا من خلال مصادرنا وأصولنا، أما مسألة الغزو الشيعي فنحن ندعو إلى نشر الثقافة كيفما كانت طبيعتها والمعارض خير ملتقى للباحثين والمفكرين، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف نبرر المنع والحجز في حق الكتاب الشيعي، ونحن نعيش زمن العلم، وللإشارة فإن المعارض الإيرانية تعرض كل المؤلفات المذهبية المختلفة لأنه من شروط الوحدة الاطلاع على الغير ومعرفة أصوله وكيفية تفكيره لتطوير الأمور المشتركة واحترام المختلف بصدده.

أما اتهامنا باستغلال المعارض لتثبيت مذهبنا فمن المؤسف هذه عقلية غير منطقية،لأن المعارض أصلا ملتقى حر للجميع وهي عامة وليست خاصة بالكتاب الشيعي، وبالتالي فالمعرض هو ملتقى فكري لكل المذاهب والأديان ولذا فإنها فرصة لتعميق لغة الحوار ولغة البحث والتقارب.

> وماذا عن الأعمال التي يقوم بها الخطاب الشيعي فيما يخص التقريب بين المذاهب داخل الجمهورية الإسلامية الايرانية؟!

>> هناك دار التقريب بين المذاهب وهي موجودة في إيران بقم ولها مجلة تعنى بشؤون التقريب ومسائل الحوار بين المذاهب، وللإشارة فإن قضية التقريب هي قضية الأمة المسملة بأكملها إن شاء الله نعمل للفكرة ونجهد لها ونجعل لها لجانا لمدارستها وتتبعها حتى نخلق الوعي بأهمية الوحدة والحوار مبتعدين في ذلك عن عوامل التمزق ورفعا لكل الاتهامات الباطلة.

ومسألة التقريب بحمد لله متواصلة غير أنها ليست بمستوى الطموح الذي نأمله لأننا نريد أن تكون هناك لجان في كل بلدان العالم العربي الإسلامي ندعو إلى التقريب وخطواتكم في المغرب مشكورة آملين أن تعقد ندوات أخرى في هذا المضمار، حتى يجلس علماء السنة والشيعة على المائدة الواحدة للحوار وستكون اللغة الجامعة بينهم هي لغة البحث العلمي واحترام المنطق بعيدا عن التعصب الطائفي حتى ولو جرحتنا الحقيقة. وتلك هي الخطوات الأولى للاتفاق على عناصر ومفردات الأرضية المشتركة.

> سماحة الشيخ، هناك من يبشر بمقولة موت الأيديولوجيات المذهبية. في هذا السياق كيف تنظرون إلى مستقبل المذاهب الإسلامية وهل تمتلك هذه الأخيرة من القوة الاجتهادية ما يمكنها من التنظير المستقبلي للدفع بواقع الأمة نحو الشهود الحضاري في ظل تحديات عولمة النموذج الحضاري الوحيد الذي يتجاوز منطق الانتماء المذهبي والجغرافي؟؟

>> الإسلام ليس له زمن محدد وتاريخ محدد، بل إنه دين الأجيال كلها وهذه أطروحات غير علمية لعدم واقعيتها، فالدين الإسلامي أثبت قدرته على الخلود تجاه العديد من الأطروحات النظرية من مثل الأطروحات الاشتراكية حيث أثبت بأن البقاء والخلود للفكر الأصيل المؤسس على الوحي الرباني، وهذه الأطروحات كلها فلسفات وضعية، ولن يبق أمام التاريخ الإنساني سوى حكم الله الخالد.

> من الملاحظ أن القانون النظري الذي أعطى القوة الحضارية للأمة يتمثل في الفصل بين المرجعية المقدسة وبين الانتماء للزمن النسبي، في حين تعاني العقلية المذهبية من اختلاط حدود هذه العلاقة لتصور البعض لامتلاكه حقيقة التاريخ من يفسر كون أغلبية الصراعات المذهبية مرتبطة بوهم تمثل امتلاك الحقيقة المطلقة على أساس أنه في اللحظة التي نقول فيها بأننا نمثل خط الحق والعدل في التاريخ تقولون أنتم كذلك نفس الشيء مما يؤدي إلى ضياع الحقيقة كيف تتصورون العلاقة بين قداسة الإسلام في عمق امتداده الزمني وبين نسبية لاجتهاداتنا المذهبية؟!!

>> مبدئيا الحق لا يضيع، وقد يحتمل أن يضع عندي أو عندك ولكن الحق ثابت لا يضيع ولذلك في نظريتنا التعرف على الحق يستلزم التعرف على الأصول والمصادر وغير ذلك مما نعتمد عليه في بناء الخطاب وآنذاك يمكن الحكم حول النتيجة الختامية. وكما يقال الحق لا يعرف بالرجال وإنما معرفة الحقيقة تتأتى من خلال أصول الحق، وبدراسة تاريخنا ومواقفنا يمكن استنتاج موقع الحق في خطابنا.

> ما هو السبيل في نظركم لايقاف عقلية الذنب التي تتغدى بالصراع في ثلث الدائرتين المذهبيتين، عبر إنتاجها الثقافي الذي يهتم فقط بالنبش في دائرة التاريخ وتحريك كل الذكريات الأليمة حفاظا على سيكولوجية العداء عبر لغة التكفير والسب المتبادل؟!

>> يجب أن نكون في مستوى الذكاء الذي يجنبنا السقوط في مخططات هذه العقلية، وذلك بالتنبيه إلى كل العوامل التي تحرك الطائفية لتجاوزها، مركزين في تلك على المقاصد العامة للأمة الإسلامية الممثلة في الوحدة والكرامة، لأن ذلك هو الطريق الحقيقي للنجاة، أما إثارة القضايا الهامشية فهي في حقيقة الأمر تعمق الجروح وتعطي الفرصة للغير لكي يعمقوا التخلف والتبعية.

إننا بكل وضوح ندعو إلى الحوار بين المذاهب عبر دراسة الأصول المعقدة للمذاهب حتى لا يحكم على الطرف الآخر أصوله واجتهاداته وحتى لا أحكم أنا كذلك أصولي في قراءة الآخر فأمارس أو يمارس علي الإسقاط وهذه هي مشكلة وسبب الأخطاء المنهجية وكمثال على ذلك تصور أهل السنة والجماعة لصحيح البخاري فهم ينطلقون من صحة أحاديثه، بخلاف الإمامية الذين يخضعون كل المرويات للجرح والتعديل (ü) سواء كانت روايات الكليني أو الصادوق.. فأملنا أن يناقش السني أهل الشيعة بمصادرهم الأصلية حيث يقول وجدت هذا الحديث عند الكليني لا أن يحكم أصوله في قراءة الشيعة وهذا هو المنهج الصحيح. لأن الكافي عند الشيعة ليس كالصحاح، وأنا لا أذهب إلى صحة كل ما فيه.

بكلمة ختامية، أقول بأن لغة الحوار تقتضي معرفة أسس ومباني الطرف الآخر والابتعاد عن العصبية، ولنأت بالنصوص بعد ألف وأربعمائة عام ثم نقوم بدراستها بدون تمييز معتزين بكل ما قاله الصحابة، فنحن ندعو إلى القراءة الجديدة لإعادة قراءة التاريخ الإسلامي من خلال معرفة وجهة نظر الطرف الآخر ثم بعد ذلك للباحث أن يختار إن شاء قبل وإن شاء رفض أو انتقد.

> لقد أعطى الإسلام أعظم فلسفة في مجال فقه الحوار ونقصد بها فلسفة الاختلاف حيث صوب الرسول ص اجتهادين مختلفين لصحابة كرام في نازلة معينة، معنى هذا أن الرأي الاجتهادي لمذهب معين لا يلزم المذهب الآخر بالتقيد به، غير أن المشكل المطروح هو الاختلاف مع الأصول الشرعية سماحة الشيخ هل أنتم مستعدون للتنازل عن أقل من أصولكم إذا ما ثبت بأنها تتناقض مع الإطار المرجعي؟!!

>> نحن لا ندعوكم للتنازل عن أصولكم سواء كانت قرآنا أم سنة لسلبية منطق التنازلات، فنحن ندعو إلى وحدة الفكر لدراسة الأمور والإشكالات بعمق متفتح لمعرفة نوعية تصور الطرف المذهبي الآخر، وكمثال بسيط على ذلك قضية العصمة فنحن نقول بها، بخلافكم، غير أن المشكل إذا أردت مناقشة مواقف الصحابة المسألة تختلف حيث تعتمدون منطقا آخر في التفكير. ولذلك، فالمطلوب أنني إذا اختلفت معكم لا تخرجوني عن دائرة الإسلام باسم الكفر، ولذلك أقول مرة ثانية بأن وظيفة العالم هي تصحيح المناهج والتصورات، فلكم تصوراتكم المنهجية الخاصة بكم ونحن كذلك، وكلنا لسنا مطالبين بالتنازل عن قناعاتنا المنهجية وأصولنا الفقهية والمذهبية وإنما مطالبون بفتح قنوات الحوار فيما بيننا.

> وختاما لا يسعنا إلا أن نشكركم على توضيحاتكم سائلين الله عز وجل أن يوحد أمتنا ويعمق محبتنا ويرزقنا القابلية للمراجعة النقدية والتواصل مع الغير على أرضية العقيدة ومقاصدها الإنسانية.

ـــــــــــــــــــــ
* التجديد: أهل السنة والجماعة أكثر إخضاعا لجميع المرويات للجرح والتعديل، لا يحول دون ذلك عندهم عصمة أو غيرها.
ـــــــــــــــــــــ

أستاذ باحث في الفكر الإسلامي/ كلية الآداب ـ القنيطرة

أستاذة باحثة في علم مقارنة الأديان/ بالقنيطرة